علي بن محمد التوحيدي
239
أخلاق الوزيرين ( مثالب الوزيرين الصاحب ابن عباد وابن العميد )
فأتاني بشيخ ديرانيّ شاخص النظر ، منتشر عصب البصر ، طويل مشذّب ، محزوم الوسط ، متزمّل في مسكه ، فاستعذت بالرّحمن إذ نزغني الشيطان ، ومجلسي قد غصّ بالأشراف من كل الأطراف ، كلّهم يرمقه ويتشوّف إلى رفعي مجلسه وإدنائه وتقريبه ، ويعظّمونه ويحيّونه ، واللّه محيط بالكافرين . فأخذ مجلسه ، ولوى أشداقه ، وفتح أوساقه ، فتبيّنت في مشاهدته النّفاق ، وفي ألفاظه الشقاق . فقلت له : بلغني أن عندك معرفة بالهندسة ، وعلما واصلا إلى فضل يفيد الناظر فيه حكمة وتقدّما في كل صناعة ؛ فهلمّ أفدنا شيئا منها عسى أن يكون عونا لنا على دين أو دنيا ، وزينا في مروّة أو مفاخرة لدى الأكفاء ، ومفيدا نسكا وزهدا ، و « ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » « 1 » ، « فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ » « 2 » ، « وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ » « 3 » . قال : فأحضرني دواة وقرطاسا ، فأحضرتهما ، فأخذ القلم فنكت
--> ( 1 ) سورة التوبة 72 . ( 2 ) سورة آل عمران 185 . ( 3 ) سورة فاطر 17 .